ابن حزم

53

جوامع السيرة النبوية

فوجدوا البلاء والأذى على المسلمين الذين بمكة . فبقوا صابرين على الأذى إلى أن هاجروا إلى المدينة . حاشا السكران بن عمرو ، فإنه مات بمكة قبل أن يهاجر ، فتزوج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زوجته سودة بنت زمعة ؛ وحاشا سلمة بنت هشام ، فإنه حبسه عمه وأخوه حتى ذهبت بدر وأحد والخندق ؛ وحاشا عياش بن أبي ربيعة ، فإنه هاجر إلى المدينة ، فاتبعه أبو جهل والحارث ابن هشام ، وهما ابنا عمه وأخواه لأمه ، فذكراه سوء حال أمه ، فرقت نفسه ، فرجع ، فثقفوه « 1 » إلى أن مضت بدر وأحد والخندق ، فهاجر حينئذ هو وسلمة بن هشام ، والوليد بن الوليد بن المغيرة ؛ وحاشا عبد اللّه ابن سهيل بن عمرو ، فإنه حبس إلى أن خرج مع الكفار يوم بدر ، فهرب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ووافق بعد نقض الصحيفة أن ماتت خديجة وأبو طالب ، فأقدم عليه سفهاء قريش ، فخرج إلى الطائف يدعو إلى الإسلام فلم يجيبوه « 2 » ، فانصرف إلى مكة في جوار المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، وجعل يدعو إلى اللّه عز وجل . وأسلم الطفيل بن عمرو الدوسي ، ودعا قومه ، ودعا له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يجعل اللّه له آية ، فجعل اللّه تعالى في وجهه نورا ، فقال : يا رسول اللّه ، إني أخشى أن يقولوا هذه مثلة ، فدعا له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فصار ذلك النور

--> ( 1 ) ثقفوه : قدروا عليه وحبسوه عندهم . ( 2 ) في رحلته هذه إلى الطائف اشتد الإيذاء به صلى اللّه عليه وسلم قال في حديثه المشهور : « اللهم إليك أشكو ضعف قوتى ، وقلة حيلتي ، وهو انى على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربى ، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ، أم إلى عدو ملكته أمرى ؟ إن لم يكن بك على غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك ، أو يحل على سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك » .